عمرالخیام و الألسنة المترجمة

قال عمرو بن كلثوم العتابي1(ت220هـ ): «إنّ اللفظ لنا و المعاني لهم »2 أي للفرس – و مسحة من تلك المعاني الموجودة في لغتهم تجلّت عند شاعرهم الحكيم عمر الخيام النيسابوريفي رباعياته الفارسية، و عبرّت عن شعور الناس، فـلاءمت أذواق الشعوب على اختلاف مشاربها، ليساقوا إلى الاعتناء و الرغبة فيها، بل ليتهافتوا على ترجمة تلك الرباعيات إلى لغاتهم نثراً و نظماً ؛ إلى أن أصبح عدد ألسنة الرباعيات المترجمة – حسب معرفتي – يفوق على ثلاثين لغة، إذ لاحظتُ نموذجاً منها في تأليفٍ طُبع في طهران و تحت عنوان فارسي: « رباعيات عمر خيام بسي زبان »(رباعيات عمر الخيام في ثلاثين لغة) ؛ إضافة على أنّها ترجمت في كلّ تلك اللغات عدة مرات.

قال الأستاذ سعيد نفيسي3 في خطبة ألقاها حول رباعيات عمرالخيام: « لقد وجدت عدد ترجمة الرباعيات حتى عام 1925 ميلادي و في الألسنة المختلفة إلى الترتيب الآتي: اثنتين و ثلاثين مرة باللغة الإنجليزية ؛ ستة عشرة مرة باللغة الفرنسية4 ؛ اثنتي عشرة مرة بالألمانية ؛ إحدى عشرة مرة بالأردية ؛ ثماني مرات بالعربية5 ؛ خمس مرات بالإيطالية ؛ أربع مرات بـالتركية6، و كذلك بـالروسية و مرتين بـكلّ في الألسنة الدانمركية و السوئدية، و الأرمنية »7 ،و أيضاً مرّتين بـاللغة البولندية8، و ثماني مرّات إلى العبرية9 ؛ ناهيك عن الترجمات التي وقعت بعد ذلك العام لرباعيات الخيام في عامية الشعوب ؛ ك: العامية المصرية، و اللهجة اللبنانية، و غيرهما من لهجات سائر اللغات. قيل إنّ أوّل من شهر عمرالخيام في عصرنا هو: “ثوماس هيد“(Toma Hayde) العالم الإنجليزي10، و يليه العالم النمسويفون همر برغستال“(Von Hammar Purgstal) (ت1856م) الذي لقب الخيام بفولتير الشرق، و ترجم خمسا و عشرين رباعية في سنة 1818 ميلادية11.

ثم جاء الشاعر الأنجليزي فيتزجرالد” (Fitez Gerald) (1809 – 1883م)، و قال عنه مواطنه المستشرق إدوارد براون12(Edward G Brawn)(1862 – 1926م) تكريما له – « لقد استهوتـه أقوال هذا الحكيم الرياضي الفلكي، فصاغ بعض الرباعيات المنسوبة إليه شعراً بالإنجليزية، و إنّ الترجمة التي قام بها فيتزجرالدلرباعيات عمرالخيام جعلت هذا الضرب من الشعر الفارسي معروفاً لدينا معشر الإنجليز، و قد لقيت ترجمتـه هذه من الشهرة التي أصبح معها عمرالخيام أشهر شعراء قارة آسيا،كما فاز بـشهرة عريضة في إنجلترا و أوروبا و أمريكا، لم يفز بمثلها في بلده إيران، حيث اقتصرت شهرته على ما كتبه متعلقاً بالرياضيات و النجوم و لم تتعدها إلى ما كتب من أشعار »13. و أيدّه في الرأي علي دشتي14، و سمي ترجمة فيتزجرالد بالمنظومة، و قال: « لاشكّ في أنّ لفيتز جرالد الشاعر الإنجليزي الموهوب فضل كثير في اشتهار رباعيات الخيام عند الغربيين و بمنظومتـه الثمينة سجّل اسمـه أبدياً، و نثر شهرة الخيام، و مع ذلك ليس عمله إلاّ خلق أثرٍ بديعِ مستقل نظمه مستلهماً من الخيام في رباعياته بدون نظر أو تحقيق في واقع حياة الخيام، و لا بذل جهدٍ لاستخراج رباعياته الأصيلة »15 و أتى تأكيداً لصحة رأيه بفقرات من دراسة مسعود فرزاد16 التحليلية لـترجمة فيتز جرالد، و رأى أنّ رباعيات ترجمة فيتزجرالد ليست إلاّ من بارقة إلهام الخيام على صفحات ذهنه ؛ ليخلق أبدع أثر منظوم في لغته الإنجليزية17. و قال أحمد أمين“: « إنّ ترجمة فيتزجرالد هي ’’من نوع التي استوحى فيـها المترجمون روح الخيام، و لم يتقيدوا بمعناه »18.

فبناءً على منظومة فيتز جرالد: « تطلع الشمس، و تفتح الحانات أبوابها، و الخيام منبه متفكر؛ يغور في بحر تأملاتـه تدريجياً، و يستمر في شرب الخمر، و هو متأثر من الحياة الفانية و من عجز البشر عن حلّ لـغز الحياة يرى مشاكل الحياة كثيرة، و صعوبات أخرى أمامه، و هو يغضب ،و يعصي ،و يستمر في تأملاتـه هذه و احساساته ، ثم يستيقظ من سكره عند ظلام الليل ،و عند ما يطلع القمر ؛ يغطس الخيام في بحر الهموم ،و أخيراً و في نهاية المنظومة يشتغل الخيام بكتابة وصيته،،19.

و قد اعترض الأستاذ الدكتور رضا زاده شفق20 على فيتز جرالدحيث رأى أن المترجم: ’’ قد جنى على عمر الخيام دون قصد ،و ليس فقط أهمل وحدة الرباعيات ، بل اعدم شخصية الخيام الحقيقية ،و جعل منـه ما جعل مستهتراً سكيراً عاصياً. و هل يصح ذلك؟ أن يكون مستهتراً الخيام الذي كان يعالج خفايا الفلسفة و كان في زمانه رياضياً من الطراز الأول و أستاذاً في علم النجوم ،و حاذقاً في أكثر علوم عصره ،و الذي كان يتباحث في الحكمة و العلوم الدينية مع الإمام الغزال ،و الإمام أبي حامد الغزالي ،و غيرهما من مشاهير عصره،،21.

و أتى الأستاذ محمود المنجوري22 بدفاع عن فيتزجرالد،و نقل قول إ.دينسون روس” (E.Denison.Ross)(ت1942م)و اتفق معه و جمهور الأدباء الخياميين من الإيرانيين و غيرهم في تمجيد ترجمة فيتز جرالدبأنّها لا تقل روعة عن شعر الخيام ،و أسلوبه تسامى عن النقص و العيب و رباعياته صورة واضحة من وحي الخيام ، أو هي ولادة ثانية لوحي هذا الشاعر الفارسي23.

لقد جاوزت شهرة خياميات فيتزجرالدحدود أوروبا نحو أمريكا ،و أُسست نوادي لمحبي الخيام و رباعياته ؛ كما تسربت نحو سائر القارات ،و اُقتبُسَت منظومتــه في المجالات المتنوعة الأدبية و الفنية ،و في أنواعـها الجيدة و الرديئة ،و قد شاهدت مسرحية منـها في السنوات السالفة ،و كانت في النوع المسمى بـأُبرتمن إنتاج فارسي فرنسي ،و ذلك في مدينة فاس العتيقة ؛ حيث عُرِضت لمحبي الخيام الشاعر تحت عنوان رباعيات عمرالخيام، و كنت مجرورة إليها بـسابقة إصرار بعض أقربائي الذين يرون من الواجب المفروض لمثلي أنا مشاهدة كل ما يرتبط بالأدب الفارسي ؛ مهما يكن الأمر ،و كانت من النوع الذي أسميه بـالإهانة الفنية المعاصرة في حق الشخصيات السالفة،و كنت هناك أشعر بـالذنب عن مشاركتي مع الحضور لمشاهدة تهتك حرمة ذلك العالم الفيلسوف الرياضي الفلكي ؛ في لفافة فنية الرقص و الموسيقي في تلك الـابُرت24 المغشوشة التي لم تأت إلاّ بتشويه روح الخيام البريئة و إنكار حقوقه العلمية ،و ذلك في عصر الفضاء و في الوقت الذي حصل للإنسان عمّا حصل له من ثمرات التجارب العلمية التي بُنيت على أساس استنباطات الرياضيين الفلكيين من علمائنا المسلمين ،و في مقدمتهم العالِم الرياضي عمر الخيام،و أراد لنا العالَمُ الحديث نسيان جهوده العلمية ،فـبرز لنا من وراء نافذة الترجمةِ شخصية مغشوشة بسمة رباعيات الخيام“.

و غرضي من هذه الإكثار ليس لوضع الأثقال على فيتز جرالد” – و هو من محبّي الخيام أو نقض الاعتبار لـترجمته ،و أنا أجهل اللغة الإنجليزية ،و لكن علينا أن نبحث عن الحقيقة المكنونة في الشعر الفارسي و عند شعراء الفرس من أمثال الحكيم عمر الخيام ؛ حتى و كما قال شاعر فارسي أن نصنع عالَماً آخر لأدب الإنسان و للإنسانية.

انتبه إدوارد براونإلى أنّ الشعر الإسلامي تسوده روح المحافظة، و قال: « إنّ المحافظة في الشعر لاتقتصر على أوزانه و قوافيه، و إنما تمتد إلى صميم موضوعاتـه،و إلى ما يشتمل عليه من مقابلات و تشبيهات و استعارات و محسنات بديعية، و ما إلى ذلك من سائر الأمور التي تعارف عليـها المسلمون منذ الـقرنين الحادي عشر و الثاني عشر الميلاديين// الخامس و السادس الهجريين ،و من هنا نجد أن تقدير الأوربيين للشاعر الفارسي و عظمته يختلف في غالب الأحيان عما ينعقد عليه رأى مواطنيه، ذلك لأنّ جمال الأفكار وحدها هي التي يمكن المحافظة عليها عند الترجمة، بينما يختفي جمال الأسلوب مهما كان المترجم ماهراً أو قادراً، فـلذلك نجد أنّ عمرالخيامالذي لا يرقي بـه مواطنوه إلى شعراء الدرجة الثالثة، قد ذاع صيتُه في أوروبا أكثر من غيره من شعراء بني جلدته »25. و قول براونهذا يثير أحاسيسنا لكي نردف مع جلال الدين البلخي(ت667هـ) – الشاعر الصوفي الفارسي الذي عبر عن النفس الشاعر بالنأي، و تحدّث عن لسان الناي، و أنشد:

هَر كَسِي از ظنِّ خود شُدْ يارِ مَن اَز دَرونِ مَن نَجُسْت اَسرارِ مَن26

فنقول إن ما هو في منظومة فيتز جرالد؛ ليس إلاّ ترجمة ألفاظ الخيام ؛ بل مختارات مما ظنّها من ألفاظ الحكيم الفارسي ،و ليست ترجمة أفكاره الواردة في رباعياته الفارسية – كما اتفق عليـه الجميع ،و اعترف بها فيتز جرالدبنفسه27. و لكن ترجمته كانت سبباً في صدور عدد كبير من الكتب و الرسالات الجامعية حول الخيام و رباعياتـه ،و صارت محور اهتمام الباحثين الأوروبيين للدراسات و التأليف و في مختلف ألسنتهم – كما أخبرنا المستشرق إدوارد براون،و نقل لنا عن ناثان هسكل دول“(nathan haskell dole) أنّه قال: ’’مجرد جمع ما كُتب عن عمر الخيام في سائر اللغات يقتضي من المرء أن يتفرغ لذلك طوال حياتـه الكاملة ،و أنّ مجموع المؤلفات التي كتبت عنه تكفي لإنشاء مكتبة عامرة حافلة،،28. و قد عدد الأستاذ مجتبى مينَويتلك المجموعة في أوروبا و أمريكا الشمالية فقط و حتى عام 1929 ميلادي و وجدها تبلغ 1500 تأليفاً29.

و هكذا ظهرت أدبيات جديدة في العالم الغربي ؛ سميت بـالأدبيات العمرية” – أو الآداب الخيامية” – نذكر أسماء بعض المهتمين بها و نخب آرائهم على سبيل المثال:

قال البروفسور تيشنر“(Thiechneir)الألماني: « بأنّ بلاده أصبحت بعد الإنجليز على رأس قائمة البلدان المهتمين بـترجمة رباعيات الخيام، و إنّ ترجمة فردريك روزن“(Friedrich Rosen) هي أحسن ترجمة في اللغة الألمانية »30.

و صرح الكاتب و الشاعر الفرنسي تيوفيل غوتيه” ( Théophile.Gauthier) في أنّ: « كلّ الأناشيد في رواية هملت لشكسبير يمكن وجودها مبعثرة في رباعيات الخيام »31.

و انتبه وليم جاكسون“(william Jackson) الأمريكي الذي كان من أساتذة اللغات الهندية بجامعة كولومبيا في كتابه من قسطنطنية إلى وطن الخيام” – إلى أنّ أشعار الخيام لم تحسن ترجمتها في الخمرة، فـنسب إلى الزندقة و الإلحاد من أجلها32.

قال يان ريبكا” (Jan Rypka)( 1888- 1968 ) المستشرق التشيكوسلواكي – في محاضرة له تحت عنوان عبقرية عمرالخيام الرياضي و شاعر الرباعيات“: « إنّ عمر الخيام شخصية كبيرة في ميادين العلوم المقننة الدقيقة و الشعر على السواء، و لكن آثاره الشعرية ؛ فحافلة بـسمات التناقض و الانقسام ،و هو ما لا يتفق مع الخط الموحّد الذي كنا نحبّ أن نرى عليه الخيام، و استبعاد هذه التناقضات أمر لا ترجى منه اليوم أية فائدة، فهذه المتناقضات هي نفسها جزء لايتجزأ من شخصية الخيام الشاعر، و جزء من صورة رجلٍ وقف نفسه على سـبر أغوار تلك الأسرار التي تحف بألغاز هذه الحياة »33

و لكن جيسي كادل“(Jessie E Cadell) المستشرقة الإنجليزية – رأت بأنّ الخيام قد ملك زمام لغته التي قد وصلت في عصره إلى أعلى درجة الكمال العلمي و النضج اللغوي، و سبك بسلك التحرير كلّ تأملاته، و ليس علينا بأن نقبل حضيض الأفكار و ركيكها فقط بمجرد وجودها في قالب مربع الرباعية34.

قال براون“: « جميع السير التي نشرت عن الخيام في أوروبا حتى سنة 1879 ميلادية اعتمد فيها كاتبوها على كتب فارسية متأخرة ليس لها نصيب من الأهمية في قليل أو كثير، لأنّ هؤلاء الكتاّب كانوا يهدفون إلى خلق القصص الخيالية عن هذا الشاعر ؛ أكثر مما يهدفون إلى تحري الحقائق التاريخية الثابتة »35.

و قد انتبه الدكتور يوسف بكارلـرأي الأديب الفارسي علي دشتيفي نقد الغربيين، و قال: ’« إنّ بعض الباحثين الإيرانيين يرى أنّ جل الغربيين لم يعملوا على معرفة الرباعيات الأصيلة، بل اكتفوا بـترجمة بعض النسخ و المجموعات، و أحسب هذا الرأي ينسحب بشدة و قوة على الباحثين و المترجمين العرب »36.

رباعيات الخيام و أدباء العرب:

لقد اهتم أدباء العرب بترجمة الرباعيات خلال القرن العشرين – و بعد أن ملأ صدى اهتمام الغرب بـالخيام و رباعياته الشرق العربي – كما اهتم بعض علمائهم بدراسة مؤلفات الخيام العلمية و ترجمتها37.

و مترجمو العرب للرباعيات من أطراف البلدان العربية اثنان و خمسون، و ذلك بناءً على إحصاء يوسف بكارالذي وضع في دراسته النقدية نموذجا من ترجمات كل واحد منهم في ميزان المقارنة مع أخواتها أو مع أصولها الفارسية، دون النظر إلى أصالة تلك الأصول – حسب قوله، و بادر بـترجمة نثرية لبعض الرباعيات أحياناً لـيبين ما هو وجه الصواب، فـعلينا أن نعدّه المترجم الثالث و خمسين للرباعيات.

أما أعمال هؤلاء المترجمين ؛ فيرى الناقد أنّ بيئتهم الجغرافية و المعيشية قد استعصت عليهم و في ترجمتهم عرقاً ذاتياً يطلّ من ورائه المترجم ؛ لا الخيام، و يجعل أعمالهم من حيث الفن الأدبي المترجمة فيه ؛ فـيتوزع على النحو التالي:

1 – ثلاث و ثلاثون ترجمة و منظومة شعرية ، فيـها واحدة بـالشعر الجديد(الحر).

2 – خمس عشرة ترجمة نثرية ،و حيث أعد الأستاذ يوسف بكارو هو المترجم السادس عشر.

3 – سبع منظومات و ترجمات شعبية: ثلاث عراقية و ثلاث مصرية و واحدة لبنانية.

أما أصول تلك الترجمات و المنظومات ، فأتى بها على النحو الآتي:

1 – إحدى و عشرون ترجمة عن الفارسية مباشرة.

2 – ست عشرة ترجمة عن ترجمة فيتز جرالدبطبعاتها المختلفة.

3 – ترجمتان عن ترجمة إنجليزية غير ترجمة فيتز جرالد“.

4 – ثلاث ترجمات عن الفارسية و ترجمة فيتز جرالد“.

5 – ثلاث منظومات عن ترجمة الصراف.

6 – واحدة عن الإيطالية المترجمة عن ترجمة آربري الإنجليزية.

7 – اثنتان عن التركية و الفارسية و ترجمة البستاني.

8 – واحدة عن ترجمة الزهاوي.

9 – واحدة عن ترجمة توفيق فرج.

10 – واحدة عن ترجمة السباعي و البستاني.

11 – واحدة عن ترجمة الرامي.

12 – واحدة عن ترجمة أبي شادي و غيرها.

13 – واحدة عن ترجمة الصافي النجفي.

14 – واحدة (ترجمة جميل الملائكة) لم يذكر صاحبها أصلها أو مصدرها38.

إنّ أوّل مترجم رباعيات ؛ هو أحمد حافظ عوض“(ت1950م) من مصر، و ترجم في مقالـه: “شعراء الفرسرباعيات الخيام نقلاً عن ترجمة إنجليزية، و نشر في المجلة المصرية لخليل المطران عام 1901ميلادي، و عرب بعض مقتطفاتـه نثراً تاركاً لخليل مطران و أحمد شوقي نظمها شعراً، و هي تسع مقطوعات ؛ كل مقطوعة تتكون من أربعة أشطر39. و تلاه عيسى اسكندر معلوف” (ت1956م) مؤلف التذكرة المعلوفيةالذي ترجم ست رباعيات شعراً عن الترجمة الإنجليزية عام 1904 ميلادي، و نشرها في مقاله عمرالخيام ؛ ما عرفه العرب عنهفي مجلة الهلال عام 1910 م40.

أما وديع البستاني“(ت1954م)41فهو أقدم من ترجم الرباعيات عن فيتزجرالدو نشر ترجمته في شباط 1912میلادي. اعتمد البستاني على ترجمة فيتزجرالدالطبعة الثانية – و هي عنده الفضلى – و على ترجمات و دراسات كثيرة أخرى دون الفارسية التي كان يجهلها: « و أنا لا أكاد أعرف من الفارسية حرفاً واحداً »42. و أطلق على مقطعاته الثمانين المترجمة اسم السباعيات؛ كلّها في نشيدين على بحر الخفيف، و من مميزات ترجمة البستانيتفسيرات و هوامش تتخلل برسومات خيالية لـرسام إنجليزي، و قال يوسف بكارفي السباعيات البستانية: « إنّها نمط فريد في أصولها، فـهي ليست ترجمة عن ترجمة، بل أنّها ترجمة عن ترجمات و دراسات غربية كثيرة عن الخيام و الرباعيات، و إن تكن ترجمة فيتزجرالد أصلها الأساس »43.

أما أوّل من ترجم عن الفارسية مباشراً ؛ فـهو أحمد رامي“(ت 1981میلادي) – المترجم المشهور للرباعيات في الأوساط المغربية في الستينات، و السبب في اهتمامه بالرباعيات ؛ هو أنّ إعجابه بما ورد في ترجمة وديع البستانيدفعته إلى دراسة الفارسية في مدرسة اللغات الشرقية في باريس ،فقال في ذلك: « تعلمت اللغة الفارسية خصيصاً من أجل أن أترجم رباعيات الخيام و شجعني على ذلك افتقار اللغة العربية في ذلك العهد إلى هذه الرباعيات منقولة عن الفارسية، سافرت إلى البلاد التي عاش فيها الخيام ،فتشت عن الحياة التي كان يحياها، و عندما ترجمت أشعاره أحسست أن أرضاً جديدة من الشعر قد اكتسبتها »44.

و لم أحصل على ترجمة رامي، و لكن بعد إطلالة على نماذج من ترجمتـه ؛ أقررتُ بصحة رأى يوسف بكارالذي قال عنها: « من أبرز سمات ترجمة راميالفنية ما يلوح فيـها من محاولة جادة لـنقل الذوق الفارسي إلى الذوق العربي، و نقل الأدوات الفارسية الفنية إلى مقابلاتها العربية »45.

أخرج راميالطبعة الأولى من ترجمته الرباعيات في عام 1924م. ثم أخرج طبعة ثانية في عام 1931میلادي بعد أن وضع لها مقدمة مع أنموذج من رسوم النسخ القديمة الفارسية46.

الصافي النجفي“(ت1977م) – و هو کما رأه یوسف بكارالآخر من تأثر بترجمة وديع البستانيحتى قال في نفسه: « و إذ كان هذا أثر التعريب ،فما هو أثر الأصل ». و قرر تعلّم اللغة الفارسية و معرفة آدابها، و لذلك هاجر من بلده العراق نحو طهران، و قال في كيفية عيشه هناك: « قضيت فيها ثمانية أعوام فارسياً متغلغلاً في حياة الفرس كواحد منهم، و هذا هو الذي ساعدني أن آخذ الروح الفارسية و الطبيعة الجميلة و المجتمع الفارسي بكلّ نواحيه من أعاليه إلى أدانيه أكثر مما كنت أستطيع أخذه من الكتب الفارسية ؛ لأصل منـها إلى الينبوع الصافي الذي سالتْ منه خيالات عمرالخيام الشاعر الذي شغفتُ به من دون باقي شعراء الفرس، و وجدت تعريب الأستاذ البستاني رغم ما اشتمل عليه من سمو و إبداع ؛ لم يكن يمثل – مع الأسف – من الرباعيات؛ إلاّ قشورها البراقة و أصدافها اللامعة، و كان له العذر في ذلك، إذ لم يكن عارفاً بالفارسية، فـترجم سباعياته عن الإنجليزية، و من أجل ذلك بقي الدر و اللباب في كنز مرصود ؛ لم تستطع أن تفك طلاسمه قرائح المترجمين »47.

لقد شهد عدد من أكابر الأدب الفارسي المعاصر على جمال ترجمة الصافي النجفي، و منهم العلامة محمد القزويني48 الذي وجدها أقرب الترجمات إلى الأصل49.

و قال يوسف بكار“: « إنّ الصافي النجفي قد استطاع أن يتحف قرّاء العربية بتلك اللآلئ المكنونة التي تمثل آراء الخيام الفلسفية و نكاتـه الأدبية البديعة و استمر في الترجمة »و قال الصافي في مدّة ترجمتـه: « ثلاث سنوات كاملات لم يكن لي فيها شغل سوى إتمام هذا العمل حتى أكملتها ثلاثمائة وإحدى و خمسين رباعية » مختارة على مجموعتين: أولاها مجموعة رشيدياسمي50، و الثانية مجموعة المستشرق الألماني فريدريك روزن“. لقد راعي الصافي النجفي وحدة الرباعيات و استقلالها، و رتبّ رباعياتـه ترتيباً هجائياً حسب القوافي ، و تفنن في نظم مختاراتـه ،و لم يحصر نفسه في وزن واحد ،و لم ينظم رباعيات ترجمتـه على الوزن الفارسي للرباعية ، بل نظمـها في أحد عشر بحراً عربياً بين التام و المجزوء ،و لم يهمل بحر الدوبيتأيضاً، و قال في كيفية ترجمتهكان همي الوحيد أثناء التعريب متجهاً لأمرينالأول الأمانة في النقل و الاحتفاظ بـالمعنى الأصلي ،حتى ظهر أكثر الرباعيات كأنّه قد ترجم كلمة بكلمة ».

و قد نشر الصافيرباعياته مع الأصل الفارسي بدمشق عام 1931م. و منع إعادة طبعـها عندما رآها: « تضرّ بـأكثرية القرّاء الذين يسيئون الاستفادة منها، إذ كانوا يقرؤونها في الحانات ،و يزيدون من معاقرة بنت الحان بينما كنت أهدف من الترجمة الناحية الفنية و الجمالية فقط، و لقد ضحيت بجهودي في الترجمة، و بـالمنفعة المادية في سبيل المحافظة على صحة القراء خُلقاً و عقلاً و جسماً »51

أحمدالصراف“(ت1985میلادي) – الأديب و المحامي العراقي ؛ من المشهورين في ترجمة الرباعيات النثرية الذي بادر بعمله لأجل أن ينظمها صديقه السيد الهاشمي، و طبع ترجمته لمائتي رباعية مع أصلها الفارسي، و نشرها في طبعته الثالثة في مقدمة مبسوطة عن حياة الخيام تحت عنوان عمرالخيام و رباعياتهعام1966میلادی، و قال عن عمله: « قد بذلت جهداً غير يسير في تقريب الترجمة إلى الذوق و الأسلوب العربيين، و الترجمة عمل شاق و عناء كبير، و قلّما يوفق مترجم إلى نقل لغة إلى أخرى »52. و لكن ترجمته في نقد يوسف بكار” ’’هي من حيث قواعدها و شروطها و من حيث المحافظة على المعاني و الأفكار دقيقة جيدة، غير أن لم يتحقق فيها تجنب الميل إلى الترجمة كلمة بكلمة، و لم يستقم ذوق المترجم عند اختيار مفرداته »53.

عبدالحق فاضل“(ت1994م) – فرغ مؤلف ثورة الخياممن كتابه في مايو 1949میلادی – عندما كان قنصلا للعراق في طهران – و عرض مخطوطتـه على الأستاذ الإيراني المعروف سعيد نفيسيفي صيف 1950م، و قرأ عليه بعض ما ترجم من الرباعيات54.

اختار فاضل” 374 رباعية ؛ حسب قوله: « من ست نسخ فارسية ؛ في كلّ منها رباعيات ما ليس في الأخريات »55، و جعلـها في البابين: “الخيامو صوت الخيام،و قسم هذا الأخير في اثنتي عشرة ثورة؛ منها: ثورة على المجتمع، ثورة على الدجالين، و ثورة على العقلو في تسع نخَبمن مثل: نخب الهموم، و نخب الموت، و نخب الحبيب ،و ترجمها نظماً في مجزوء الرمل، و نوّع في القوافي بالضربين الأعرج و الكامل56. و مع ذلك انتبه إلى مسألة الشكّ في الرباعيات، و اعترف بعجزه عن تمييز رباعيات الخيام، و قال: « لهذا أنفض يدي من هذه المهمة التي تبدو أقرب إلى المحال، و قدجمعت في هذا الكتاب ما استحسنت من جمهرة الرباعيات، و مهما يكن من الأمر فـإنّ مجموعتي هذه جامعة أكثر منها مانعة ،و لابدّ أن يكون فيها رباعيات ليس للخيام »57.

و قد نقلت أقوال المترجم من مقدمة طبعتـه الأولى التي وقعت بالقاهرة عام 1951 ميلادي، و فيها ثلاثمائة و أربعة و سبعون رباعية مترجمة ،و لم يأت المترجم بأصلها الفارسي.

و قال يوسف بكار“: ’« طبع ثانية مزيداً و منقحاً بدار العلم للملايين ببيروت عام 1968م، و عدد مختاراته ثلاثمائة و إحدى و ثمانون رباعية، و لكن دقة المترجم ؛ فهي شهود عيان على فقه المترجم بلغتي المصدر و الهدف معاً، و ليست ترجمتـه ترجمة حرفية لفظية ؛ بل كان يأخذ ما يحقق للرباعية هدفها و مراد صاحبها »58.و لو ترجمته عنونت ثورة فاضل على الخياملكانت الأفضل.

أما السيدات المهتمات بـالدراسات الخيامية، و اللواتي بادرن بترجمة الرباعيات ؛ فهنّ حسب قول وديع البستاني“: « من الغربيات اللواتي صرفن ذكاءهن إلى درس هذا الأثر الفارسي كثيرات »59، و لكنه لم يذكر إلاّ اسمين، و هما: “مسز جسيو مسز بورين60.

و قد تعرفت على بعض المهتمّات بالدراسات الخيامية أثناء مشاركتي في مجمع لغوي بطهران سنة 1996م ؛ منهنّ السيدة كزمويان آرمانوشمن مدينة إيروان بالجمهورية أرمنستانالتي انتبهَت لتفكر عمرالخيام الفلسفي في رباعياته، و ذلك في تأليف لها بلغة الأرمن في تطور الرباعي في الشعر الفارسي في القرنين 10 و 11 الميلاديين، و خصّت – حسب قولها – الباب الثالث بـدراسة رباعيات الخيام ؛ مما وجدتْ فيـها وثبةفي تطور الرباعي نحو الفلسفة و التحرّي الفكري، و ذلك خلال ترجمة رباعيات الخيام لشاعر من مواطنيها61 ،و طبعت تأليفها في مدينة إيروان عام 1981م.

و أماّ من الأديبات العربيات ؛ فـحسب ما ورد في تأليف الدكتور يوسف بكارفقط اثنتان مصريتان اللتان بادرتا بترجمة الرباعيات الخيامية:

أولاهما الدكتورة إسعاد سعاد قنديل“(ت1983م) التي اختارت اثنتا عشرة رباعية فارسية من رباعيات حكيم عمرخيام نيشابوريتحقيق الأستاذين فروغيو قاسم غني، و ترجمتها نثراً عن الفارسية على هامش دراستـها لـفن الرباعي62، و ذلك في ترجمة حرفية و دقيقة في نقل المعني اللفظي من الفارسية إلى العربية، و قال الدکتوريوسف بكار“:

« و لولا أنّ المترجمة عربية اليد و الوجه و اللسان ؛ لظننتُ أنّها إيرانية ؛ لأنّ أسلوبها و طريقتها في الترجمة لا يختلفان كثيراً عن أساليب من يعرفون العربية من الإيرانيين و طرائقهم حين يترجمون من الفارسية إلى العربية، و آية هذا أنّهم لا يحاولون الاستغناء عن الألفاظ العربية التي وفدت إلى لغتهم، و إن قاربت معانيها – لا صيغها في الفارسية معانيها العربية »63.

أما المترجمة الثانية ؛ فهي الدكتورةمريم محمدزهيري“: التي اختارت إحدى عشرة رباعية في مقالها رباعيات عمر الخيام و رحلته من الشك إلى الإيمانشواهد ترجمتها نثراً64، و رأى يوسف بكارأسلوب ترجمتـها في ميزان نقده بأنّها: « ترجمة حرفية كلّها و دقيقة جلـها، و لغتـها عموماً بسيطة صحيحة جميلة، و تراكيبـها واضحة بعيدة عن التعقيد و الغموض »65.

و لم يذكر مؤلف الترجمات العربية لرباعيات الخيامأثراً من أدباء المغرب إلاّ ترجمة الاستاذ المرحوم بنتاويت، و قال عنها: ’« أحدث الترجمات الشعرية العربية قاطبة إلى ألان »66 تشمل مائة و خمسون رباعية عن الفارسية التي نشرها مع أصولها بعنوان رباعيات الخيامفي مجلة اللسان العربي/ عدد 32 مارس 1985 ميلادي. و قد وضع الناقد يوسف بكار – ترجمة بنتاويتفي ميزان ترجمة الصراف، حيث تنكشف له مواطن التخليط و الخطأ و الانحراف و قال: ’« إنّ المترجم المغربي لم يستفد من تنويعـه في القوافي و الأوزان ؛ فـوقع في الزحافات و العلل المتكلّفة، و عقد تفعيلاتها أو خلخل إيقاعاتها، و حار في معانيها و أفكارها، و أفسدها إلى حد بعيد، و مع هذا لجأ في ندرة إلى محاولة التوفيق بين الذوقي العربي و الفارسي »67.

لقد أنصت لحديث إذاعي مع الأستاذ بنعمارة68 حول رباعيات عمرالخيام، و نبهني الأستاذ عبدالمالك الشامي69 إلى اهتمام الأستاذ بنعمارةبـترجمة الرباعيات، و لكنني لم أعثر على شئ من ترجمتهو أيضاً وجدت للأستاذ الشاعر أحمد مفدي70 قطعة في شعره الحر، تدلّ على تأثر الشاعر بترجمات الرباعيات و ربما ترجمة فيتز جرالد” – و أجعله الأديب المغربي الثالث الذي ألم بشاعر الرباعيات في: “جلسة مع الخيام في المرصد71

مهوش أسدي خمامي

فاس – 1998