کتاب مخارج الحروف لابن سینا

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بالكتاب:

مخارج الحروف(أسباب حدوث الحروف)

 

التقديم:

إنّ علم الحروف (Phonétique) ؛ هو مفتاح لدراسة فقه اللغة و تعليم لغات الشعوب، و حجة الحق الشيخ الرئيس الحكيم حسين بن عبد الله بن حسن بن علي المشهور بابن سينا (ت428 هـ/1037م ) يعدّ من كبار العلماء الذين بحثوا في هذا العلم أيام ازدهار الحضارة الإسلامية ؛ حيث يتحدث عن حروف اللغة العربية في كتابه مخارج الحروف أو أسباب حدوث الحروفبشكل دقيق باعتباره طبيباً ملمّا بعلم التشريح و يفتح باب هذا العلم على مصراعيه.

ألَّف ابن سينا هذا الكتاب بمدينة أصفهان، و قدّمه هدية للشيخ الكبير أبي منصور محمد بن علي بن عمر المعروف بـابن الجبان(كان حيا عام 416هـ ) الذي كان قد التمس منه أن يكتب بحثاً ؛ يستقصي فيه أسباب حدوث الحروف باختلافها في المسموع“.

و كان تاريخ تأليفه بعد سنة 414هجرية و هي السنة التي سافر فيها ابن سينا إلى إصفهان، و ذلك اعتماداً على تصريح تلميذه أبي عبيد الجوزجاني“.

ظهر هذا الكتاب ضمن منشورات جامعة طهران ؛ حيث قام بتصحيحه و تحقيقه الأستاذ الدكتور پرویز ناتل خانلري، ثم نقله إلى اللغة الفارسية، و ذلك سنة 1333شمسية/1954 ميلادية – ثمّ أعيد نشره ثانية ؛ سنة 1348 شمسية/ 1969ميلادية في نفس المؤسسة بطهران ؛ أيضاً.

و يقع هذا الكتاب في النشرة الثانية – في 107صفحة ؛ تشمل الروايتين العربيتين، و ترجمة الكتاب إلى الفارسية ؛ مع فهارس للمحتوى و الحروف المتناولة و المصطلحات، و ما يقابلها في اللغة الفرنسية، إضافة إلى بعض المذكرات التي حررها المحقق عن الكتاب و محتواه، و كلّ هذا يقع في عدد الصفحات المشار إليها.

أمّا المحتوى العام للكتاب ؛ فقد أفرد له أولا صفحتين ؛ أورد بعدهما مقدمة استغرقت عشر صفحات.

و في هذه المقدمة التي كتبها المحقق بالفارسية ؛ وقع التعريف بالكتاب، و ذكر أن من جملة مؤلفات الشيخ الرئيس أبي علي سينا رسالة في البحث عن كيفية حدوث الحروف و مخارجها في العربية و غيرها، ثمّ أشار إلى أنّ اسم هذه الرسالة في ثبت مؤلفات أبي علي ؛ حسبما ذكره تلميذه أبوعبيد عبدالواحد بن محمد الفقيه الجوزجاني” (ت438هـ ) في ذيل سيرة الشيخ“: «مقالة في أسباب حدوث الحروف و مخارجها، و قد صنفها بـأصفهان للجبان ». و إنّ خلافا قد وقع رغم ذلك في عنوان الرسالة ، حيث ذكرت نسخة ليدن لكتاب أخبار الحكماءللقفطي اسمـها باختصار في الحروف، و ذكرتها نسخة قديمة لكتاب عيون الأنباءلابن أبي أصيبعة، و هي موجودة بمكتبة مجلس الشورى الإيراني باسم مخارج الحروف

و أنّ كشف الظنونفي نسخة ببريطانيا ذكرها باسم مخارج الحروف و صفاتها، بينما في مقدمة الرسالة نفسها في نسخ أخرى توجد بمجلس الشورى و نسخة جامعة استنبول و غالب النسخ القديمة ذكرت باسم أسباب حدوث الحروف، و في نسخة قديمة يمتلكها بعض الباحثين، و كتبت سنة 597هجرية ؛ باسم معرفة حدوث الحروف“.

أمّا في نسخة أيا صوفيا و كذلك في نسخة المكتبة العامة في طهران ؛ فـثبتت بعنوان: “مخارج الصوت و الحروف“.

ثمّ تعرض الأستاذ المحقق في مقدمته إلى ما جاء في خطبة رسالة أبي علي ، حيث ورد ذكر الشيخ الكبير الكريم أبي منصور محمد بن علي بن عمر بن الجبانالذي دارت بينه و بين ابن سينا مناظرة مذكورة في سيرة الشيخللجوزجاني، و الجبان شخص يَعُدّه ياقوتمن أكابر الري، و من جملة ندماء الصاحب بن عباد، و كان له مؤلفات ؛ منها: “أبنية الأفعالو كتاب الشامل، و هما في اللغة، و كتاب انتهاز الفرص في تفسير المقلوب في كلام العرب؛ كما ينسب إليه شرح لكتاب فصيح اللغةلثعلب الكوفي النحوي.

أما المكان الذي كتبت فيـه الرسالة ؛ فـيشير إليه المحقق إلى أنّه أصفهان ؛حسب تصريح أبي عبيد الجوزجاني، و بناء على ذلك، فـأنّ أباعلي يكون قد كتبـها بعد سنة 414 هجرية، و هي السنة التي سافر فيها إلى أصفهان.

و أثناء هذا ؛ تعرض المحقق إلى طبعات الرسالة، فـذكر أنّ محب الدين الخطيب ؛ كان قد طبعها أولا تحت عنوان أسباب حدوث الحروف، و ذلك سنة 1332 هجرية بمطبعة المؤيد بالقاهرة ؛ معتمداً على نسختين ؛ توجد إحداهما في المتحف البريطاني(British museum)، و الأخرى في الخزانة التيمورية بمصر.

ثمّ يذكر المحقق أن الأستاذ برافمن“(Bravmann) وضع ترجمة لهذا الكتاب باللغة الألمانية، و نشرها في ذيل كتابه:

Materialen und Unterrsuchungen zzu den Phonetisscchen Lehren der Araabe

و أنّ تلك الترجمة اعتمدت على نشرة محب الدين الخطيب، و لاحظ الأستاذ المترجم أنّ عمل محب الدين كان ينطوي على نوع من السطحية و التساهل في المقابلة و التصحيح و أنّ المترجم الألماني قد انتبه إلى أغلب ذلك.

و بعد هذا ؛ خلص المحقق إلى الحديث عن النسخ الخطية التي استفاد منها في إخراج الكتاب، فـذكر بأنها نسخ متعددة و معتمدة، و يأتي بـوصفها، و يبين خصائصها، و يذكُر مواطن وجودها حسب تاريخ النسخ ثمّ لاحظ أنها بـاختلافها من حيث الأسلوب و محتوى الفصول – زيادة و نقصا، و تنبه عدد من النسخ إلى ذلك،

و تقدّم النصّ في شكل الروايتين لامناص من اعتمادهما ؛ رغم أنّ المحقق رجح إحدى الروايتين على الأخرى، و التزم بها في ترجمتـه الفارسية، لذا رأى من الأفيد نشرَ الرسالة وفق تلك الروايتين ؛ بعد أن كان قد انتهى من تحقيق الرواية الأولى، و ظهر له ما في الرواية الثانية ؛ من مجهودات لايجوز علميا إهدارها، فاستعرض الطريقة التي اتبعها في تحقيق الروايتين، و إخراجهما من النسخ التي استعملها لهذا الغرض ؛ معترفا بالفضل لعدد من الأساتذة الذين ساعدوه في إنجاز هذه الخطوة.

و في كيفية إنجازه الترجمة الفارسية ؛ يبين سبب اختياره للرواية الأولى التي وجدها أصح و أوسع ؛ مشيراً إلى ما بذل من الجهود، لابتعاد عن التطويل، لتكون ترجمته ترجمة لفظية دقيقة أمينة ؛ لازيادة فيـها و لاتَصرُّف، و أنه إن أضطر إلى إكمال بعض الخلل الذي يشعر به في الرواية الأولى، عاد إلى الرواية الثانية، و وضع ما يأخذه منها من عبارات أو كلمات ؛ بين العلامتين [.] تميزاً له، و كذا وضع بين القوسين (.) كلّ ما يمكن أن يعين على تحقيق التناسق و الانسجام، و أنّه راجع ترجمته هذه، و قابلها بترجمة برافمن (Bravmann) الألمانية، مستفيداً منها في بعض الموارد.

و في نهاية المقدمة ؛ يذكر المحقق في طبعته الثانية ؛ التي نعالج فيما نذكر بعض الترجمات أو النشرات التي أخرجها أصحابها بعد تهيئة الرسالة و طبعها ؛ فـأورد منها:

1 – الترجمة الإنجليزية، و نشرت في لاهور (باكستان) سنة 1963م بـعناوين و تقديم خليل سمعان، و كان عنوانها:

Arabic phonetics , Ibn Sina ‘s Rissalaah on the points of articulation of the Speech _Sounds/ tranI. Semaan. Lahore(Pakistan).

2 – و الترجمة الروسية مع نقل المتن المصحح و فهرس المصطلحات و حديث مبسوط عن علم الحروف الإسلامي و العربي، و قام بها فلاديميرأخوليدياني، و نشر بتفليس سنة 1966ميلادية تحت عنوان:

Foneticeskii Traktat Avicenni. Akhvlediani.V.G , Tbilissi , 1966

هذا كلّ ما ورد في مقدمة المحقق الدكتور برويز ناتل خانلري غير أنّ هذه الرسالة لأهميتها قد طبعت طبعات أخرى ؛ لم يشر إلى بعضـها المحقّق الفاضل في المقدمة الآنفة، و منـها بـدمشق سنة1983 ميلادية ؛ بـعناية الأستاذين محمد حسان الطيان و يحيى ميرعَلَم، و تقديم و مراجعة الدكتور شاكر فحام و الأستاذ أحمد راتب النفاح.

و الذي يهمنا من هذا العرض بالدرجة الأولى ؛ هو القيام بترجمة أمينة ؛ لما كتبه المحقق الدكتور خانلري من المذكرات المنشورة في نهاية طبعته الثانية عن علم الحروف في الحضارة الإسلامية، و هذه المذكرات عبارة عن خواطر عالم صرف وقتاً من حياته في البحث عن مجال الأصوات و الدرس اللغوي، و من أجل ذلك فـإن الفائدة المرجوة منها ستكون جليلة بالنسبة لدارسي اللغة عموما و أصحاب اللسانيات خصوصاً؛ حيث سيجدون فيها مقارنة طريفة بين جهود سيبويه في كتابه، و ابن سينا في رسالته مخارج الحروف، مع التنبّه إلى أثر البيئة في مجال الأصاتة و اختلافها و تعدد مظاهرها.